السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

5

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

« ذلِكَ الْكِتابُ » الذي وعدناك به يا سيد الرسل ( أي في الآية 6 من سورة المزمل في ج 1 وهي : ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) لا يمحوه الماء ولا يخلق على كثرة الترادد ، ولا يسأم منه تاليه الذي « لا رَيْبَ فِيهِ » ولا شك ولا شبهة بأنه من عند اللّه ، وانه في نفسه حق وإن قال الجاحدون ما قالوا ، وهو « هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » ( 2 ) لأنّهم هم المنتفعون به ، فطوبى لأهل التقوى التي هي جماع كل بر ، وملاك كل خير ، فلو لم يكن لهم فضل غير ما في هذه الآية لكفاهم ، وهؤلاء المتقون هم « الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ » الذي أنبأهم به رسولهم من البعث والحشر والحساب والجزاء والجنة والنار وغيرها « وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ » المفروضة فيؤدونها كاملة من الخشوع والخضوع المشار إليهما في الآية الأولى من سورة المؤمنين في ج 2 ، ومن كما لها أن تكون بجماعة « وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ » ( 3 ) عن رغبة وطيب نفس طاعة للّه تعالى على عياله وشكرا لآلائه عليهم وعلى الأصناف الثمانية الآتي ذكرهم في الآية 60 من سورة التوبة الآتية ، ومن رغّب القرآن بالإنفاق عليهم « وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ » من الوحي الجليل « وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ » منه على الأنبياء السالفين من كتب وصحف ، لأن من لا يؤمن بجميع الكتب وجميع الرسل ليس بمؤمن « وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ » ( 4 ) أنها آتية لا محالة ، لأن من لم يوقن بوقوعها وبما فيها فليس بمؤمن أيضا ولو آمن بالكتب والرسل « أُولئِكَ » الموقنون بما ذكر القائمون به حق القيام إيقانا خالصا وإيمانا محضا « عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » ( 5 ) الفائزون الناجحون يوم القيامة . ونظير هذه الآية الآية 3 من سورة لقمان في ج 2 . وقد يأتي الفلاح بمعنى البقاء كما قيل : لو كان حي مدرك الفلاح * أدركه ملاعب الرماح ( الأسنّة ) وأصله الشق ، كما قيل : إن الحديد بالحديد يفلح . واعلم أن اللّه تعالى صدر هذه السورة بهذه الآيات الأربع ( عدا ألم ) لأن بعض القراء عدها مع ما بعدها آية واحدة . في حق المؤمنين ، والآيتين بعدها بحق الكافرين ، وثلاث عشرة آية بعدهما بحق المنافقين ، والبقية في الأحكام والأخبار وغيرها .